نذير حمدان
306
حكمة القرآن والحضارة
ويبتدع فيها بما ينتفع منها ضمن إطار الحكمة ، ويستلزم هذا أيضا البحث عن الحكمة وليس البحث عن قائلها ، وطلب المعارف بغض النظر عن شهرة أصحابها فإن الحكمة لا تتوقف على قائلها ولا على كاتبها بقدر ما تتوقف على جوهرها وماهيتها ومنافعها . - ضرورة التمييز بين الحكمة الثابتة في الحق والخير والقيم المطلقة وتجذير الحضارة القرآنية وتأصيل قيمها والحفاظ عليها واستقائها من المنابع الإسلامية ، وبين الحكمة القابلة للإفادة منها ضمن المستجدات النافعة في جميع المجالات . - إن المواقف لا تبرر حكمتها إلّا إذا كانت حكيمة ، والحالات لا تسوغ صلاحيتها إلّا أن تكون صالحة ، والمسائل لا تشرع إلّا أن تكون مشروعة وهذا يعني سبق الحكمة للمواقف والحالات والمسائل ، ويعني أيضا ألّا نكسو الحكمة أي موقف وحالة ومسألة ما لم تتوضح المصلحة فيها ، ويعني أخيرا أن التعامل مع الأمم لا بد أن يكون بالحكمة فتحزم وقت الحزم وتلين في حالة اللين ، وممارسة الحكمة من خلال المقاصد والمصالح الحكيمة وذلك بوزن الأمور بالميزان العادل المتوسط الحكيم . - وفي المجال التخصصي : فإذا كانت الحكمة العلمية زيادة في المعرفة وإضافة إليها فقد ازدهرت في العصور الإسلامية وكثرت كتبها المستقلة ومن خلال الأبواب والفصول الملحقة بها والتابعة لها ، وهذا يحصن الأفكار من غزو الحكمة بمعنى الفلسفة الغازية في العقيدة والخلق في إطار المذاهب والنظريات المعاصرة وبخاصة تلك التيارات الملحدة والتنصيرية والتلمودية وذلك بعد فرز فئة من كبار العلماء للردّ عليها والطعن في طعونها ودحض شبهاتها ومفترياتها . - وأخيرا فلا بدّ من أربع حكم : فمن الحكمة الاهتمام بالبناء والتطوير أكثر من الاهتمام بالجدل المذهبي الفلسفي ، والعناية بالأعمال والنشاطات الإيجابية أكثر من العناية بالنظريات والأقوال وإن كان وضع المناهج البنائية العملية لا يعدو الانتفاع من المنطلقات النظرية في إطار الحكمة العملية والنظرية والتجريبية معا ، ومن الحكمة أيضا عدم الاقتصار على مجالات الضرورات أو الحاجيات